مــــــــــهـــــــدي عــــــــامــــــل

صفحة تختص بالمفكر الماركسي الشهيد مهدي عامل

Monthly Archives: أغسطس 2011

كلمات حول كتب مهدي عامل الأخير “نقد الفكر اليومي”


كلمات حول كتب مهدي عامل الأخير “نقد الفكر اليومي”

المصدر: http://alexandra.ahlamontada.com/t1529-topic

قدّم مهدي عامل، الذي إغتيل في أيار 1987، صورة عن إيمانية ثورية، اطمأنت إلى قوة «النظرية»، وإلى قدرة المؤمن بها على إقامة الحد الفاصل بين الصحيح والخطأ. اعتقد الراحل أنه يمشي مع نظرية تمشي مع «التاريخ» وتشرح خطواته بلغة واضحة. ولعل تماهي الثائر بالنظرية، كما تماهي اللبناني بالتاريخ، هو الذي جعله يؤثث مدينة جميلة لا وجود لها. أخلص لذاته وهو يخلص لـ «الكتب» وأخلص، في الحالين، لنسق من الحالمين لا ينتهي .

فتنة النظرية

كتب الماركسيون اجتهادتهم بأساليب متعددة، اقترب بعضها من نثر الحياة، وآثر بعض آخر لغة من خشب. وُعدوا، في الحالين، بمدينة تنصف الأحياء، وترد الاعتبار إلى أموات جمعوا بين الأحلام والخيبة. أراد مهدي عامل، الذي صالح بين العربية والفرنسية، أسلوباً خاصاً به، يوحّد بين العلم والإيمان، إذ العلم ماركسية قوامها جهاز نظري يقرأ الظواهر في أسبابها المادية ـ وإذ الإيمان ماثل في طبقة متحزّبة تحرّر البشرية كلّها.

رأى مهدي، وهو يقتفي آثار غيره، في الفلسفة والسياسة وحدة لا تقبل الانقسام، يصوغ كل طرف غيره ويعلن عن جديد غير مسبوق. اشتقت الفلسفةُ السياسيةَ من «صراع الطبقات»، الذي يضع البروليتاريا في مواجهة البرجوازية وينتج استقطاباً اجتماعياً متجدداً، ونقدت السياسةُ الفلسفةَ وطالبت الفلاسفة بتحويل العالم لا بتأويله. ترجمت هذه العلاقة المتبادلة جديد الماركسية، القائل بوحدة المادية التاريخية والطبقة العاملة. وسواء غمر الإيمان النظرية أم ترك أطرافها ظاهرة، فقد استقر فيه موروث تنويري عنوانه: الإرادة العقلانية، التي تجلّت في اتجاهين: تشييد تصور عقلاني للعالم، يجعل الأخير واضحاً شفافاً قابلاً للتحويل والترويض، وإعادة تقويم «التصورات اللاعقلانية» من وجهة نظر النظرية ـ المثال جمعت الإرادة المتعقلنة، أو العقل الخالص المتشخصن في إرادة مقاتلة، بين أسطورة «بروميثيوس»، الإنسان المنعتق من القيود كلها، وأشياء من فلسفة ديكارت، الذي حلم بطبيعة جديدة الصنع، يعيد خلقها الإنسان ويسيّرها كما يشاء. بدا مهدي، وهو ينبذ المسيطر ويستقوي بالحقيقة، مهندساً ـ فيلسوفاً، يقترح مدينة فاضلة ويشرح سبل بنائها، ويدعو إلى اقتلاع مدينة الاستغلال والطائفية والتبعية، … عاش توتر العلاقة بين العلم والإيمان، وجعل من أسلوبه مرآة لحالم كبير، تحتاجه النظرية ولا يحتاجها في شيء كثير.

يعطي كتابه الأخير: «نقد الفكر اليومي»، الذي لم يتح له الموت إكماله، صورة عن إيمانية مطلقة، يفصح عنها السياق قبل الأسلوب، ذلك أنه أكد انتصار الفكر الماركسي حين كان يقترب من هزيمة كاسحة. ساوت الإيمانية بين النظرية والانتصار، وساوى العقل الانتصاري بين النظرية والمنتمي إليها، كما لو كان الحق قد تشخصن في النظرية والمناضل معاً. ولهذا أخذت النظرية على قلمه صفات متعددة، فهي: «الفكر المناضل، اليانع أبداً، اليقظ الدائم، لا يتخاذل حين يفاجأ، ….، يؤكد ضرورة الفكر العلمي في أن يكون ثورياً، وضرورة الحركة الثورية في أن تكون علمية ..ص : 15». تتكشّف شخصنة النظرية في تعبير «لا يتخاذل حين يفاجأ»، الذي يشير إلى المناضل مهدي عامل، بعيداً عن أيديولوجية شعاراتية تحيل إلى بيروقراطية متكلسة أتقنت «عادات القيادة» أكثر مما أتقنت أي شيء آخر .

قال مهدي بماركسية يضمن انتصارها سببان: علميّتها التي تفسر تكوّن الظواهر الاجتماعية وتحولاتها، اعتماداً على مبدأ التميّز والكونية الذي يشتق من ماركسية كونية ماركسيات توائم مجتمعات متفاوتة التطور، فهو يقول: «حين يقوم الفكر بتحليل ملموس للواقع الملموس، يسير إلى ملاقاة هذا الواقع في مخاطرة هي ضرورية لانتاج المعرفة، لا يجرؤ عليها سوى فكر مادي عرف كيف يصغي إلى الواقع ويحتكم إلى منطقة الموضوعي، … ص: 40». يشخصن مهدي «الفكر المادي» متحدثاً عن «الجرأة» و«الإصغاء»، كما لو كان الفكر المادي لا يفصح عن خصوبته إلا عند مفكّر يتمتع بالجرأة ويجيد الإصغاء. يصدر السبب الثاني عن «روح العصر»، التي هي من روح «الفكر المادي»، أو صورة عن «الفكر العلمي»، الذي هو قوام الزمن الحديث. نقرأ: «هو العصر وهذي حداثته، أن تعمّ فيه انهيارات الكهانة والقداسة والسيادة». الماركسية هي فلسفة «عصر الثورات»، الذي هزم عصراً آخر، وهي المعرفة الدقيقة التي تبصر في أفق الحاضر مدينة فاضلة: «سرْ في الزمن الثوري وحدّق فيه بعين الفكر العلمي، ترى الواضح في الآتي، يستقدمه الحاضر بمنطق تناقضاته…».

حين يقرأ الإنسان الثوري واقعه «بعين الفكر العلمي» يرى الزمن القادم ويصبح امتداداً للفكر العلمي في آن. استولد مهدي ضمانه المزدوج من علاقات ثلاث تتبادل المواقع: العلم، الثورة، الطبقة العاملة، إذ سياسة الطبقة العاملة هي العلم وسياسة نقيضها هي الجهل، وإذ علم الطبقة العاملة هو الثورة وإذ الجهل فكر الثورة المضادة. وصل، رغم حديثه عن التحليل الملموس في شرط ملموس، إلى فكرة «الجوهر» التي تختصر الوقائع إلى كلمات، حيث الطبقة العاملة ـ هي الفلسفة التي تحيل عليها، وحيث «الطبقة الثورية» وعي تحرّر من الزيف وأطياف الكهانة. وواقع الأمر أن الضمان المزدوج، الذي يبث لغة انتصارية، قائم في إيمانية مهدي قبل غيرها. فقبل عشر سنوات من كتابه «نقد الفكر اليومي» ـ 1987 ـ كشف الفرنسي آلتوسير عن «أزمة الماركسية»، وكان الإيطالي الشهير لوتشو كوليتي قد أصدر كتابه «أفول الماركسية».

لا يمس السؤال المطروح التملّك المعرفي في شيء، فهو يبدأ وينتهي بـ «العقل الطوباوي»، الذي يستبدل بالمدينة القديمة مدينة جديدة، أو يدور حول «المثقف الرسولي»، الذي يعهد إلى ذاته بإصلاح العالم متماهياً، دون أن يدري، بالشاعر الرومانسي الذي يتماهى بالحقيقة. ولهذا شخصنّ مهدي، في زمن الانهيار، النظرية التي لا تقبل بالشخصنة، محاولاً أن يبث النار في الرماد، ومعتصماً بروح رومانسية أوصدت النوافذ الخارجية واكتفت بنافذة القلب. فهو يكتب: «لا يكتب التاريخ إلا قادر على قراءته، من هذا الواقع الذي يتكشّف منه لعين الفكر الثوري النافذ في الأحداث إلى عقل الأحداث، ص :21 «. يلتبس «العقل الطوباوي» بالنظرية ويتساوى بها، ويتقدم خطوة اخرى ليلتبس بـ «الأحداث وعقل الأحداث». وإذا كان لوكاتش قد ساوى في كتابه «التاريخ والوعي الطبقي» بين الطبقة العاملة والوعي الحقيقي، فقد ساوى مهدي عامل بين المفكر الثوري والواقع المادي الواجب تغييره منتهياً، إلى نتيجة غريبة تقول: ليس الواقع إلا أثراً لعين الفكر التي تراه، ولهذا يكون: «تملّك الواقع التاريخي هو قبض أو محاولة قبض على الأساسي المحتجب فيه، …، في ملحمة استنباط الأدوات القادرة على ترويض الواقع ..»، على اعتبار أن السيطرة على الواقع من سيطرة الفكر النظري عليه. تستدعي النتيجة «الفكر الإرادوي»، بلغة معينة، أو «المثالية الخالصة»، بلغة أخرى، لكنها تستدعي أولاً الفكرة الرومانسية القائلة بـ «الخلق»، حيث ما يراه الشاعر ينجزه المستقبل، بلغة الفيلسوف الألماني شلنغ.

اليقين الثوري

جمع مهدي، في كتابه الأخير، بين راحة اليقين وعبء النزعة الرسولية، إن لم يكن اليقين قوام النزعة وتتويجاً لها، فلا رسالة بلا كتاب يبشّر بالرسالة، ولا رسالة بلا دليل يتحالف مع قلبه ولا يكترث بالجهات. يقول: «بين العلم والجهل، لا يقف الفكر حائراً، ينتصر الأول، إلا إذا هيمن فيه الجهل، فهو، إذّ ذاك، ليس بالفكر، بل عدمه. ص : 21». لا موقع لتناقض الفكر، أو لصراع النزوعات بلغة لينين، ولا مكان لنسبية المعرفة، فالمكان كله لـ «المعرفة الخالصة»، التي تحرّر «العقل الثوري» من أشكال الحيرة المحتملة. ولعل استبداد اليقين، الذي يمليه منطق الرسالة، هو الذي أقام النص على جملة من الثنائيات الباترة: العلم والجهل، الفكر الثوري والفكر الرجعي، الوجود والعدم، والرقم والصفر، … ومع أن الجهاز المفهومي، الذي يمحو الجهل بالعلم، لا يشير إلى ثنائية الخير والشر، فهي قائمة هناك، تتلوها ثنائية النصر والهزيمة، لأن «اليقين العلمي» يخلق الواقع ويعيد تشكيله كما يريد.

يقول مهدي: «فالصراع إذن بين العلمي والإيديولوجي في إعادة إنتاج المعرفة صراع مستمر بين قوى التغيير المعرفي الثوري وقوى الجمود والثبات والتماثل، « ص : 70». تعادل قوى التغيير المعرفي الثوري، في هذا القول، قوى التغيير السياسي الثوري، وتعادل هذه القوى، في شكليها، معشر الأخيار الذين يرثون الأرض. ومع أن مهدي كان يقول، قبل غيره، بتفاوت الحقول والأزمنة الاجتماعية، فقد دعاه حسه الرسولي، في زمن تخفّف من وعوده، إلى مطابقة النظرية بالحق، ومطابقة الطرفين بالحقيقة ـ المثال. تتراءى، في الحالين، طهرانية تنبذ المنقوص والنسبي، ونزعة صوفية تجعل العاشق امتداداً للمعشوق. وما العشق إلا الممارسة الثورية، في احتمالاتها المختلفة، التي تردّ إلى مثقف رومانسي، أراد أن يجسد الثورة والحزب والمعرفة، وكتب عن ماركسية منتصرة في زمن أفولها.

اشتق مهدي الثوريين من فكرة الثورة، فآمن بحزب يقتفي آثار الحقيقة، واشتق الواقع من نظرية ثورية فسّرت الفرق بين شرق بيروت وغربها بـ «التطور اللامتكافئ»، واشتق ما أراد من روح جمعت بين الصدق والشجاعة والبراءة. كان في ممارسته، وهي كلمة في قاموسه، ما يذكِّر بأشياء من السينمائي السوفياتي إيزنشتين والقائد الشيوعي الإيطالي «غرامشي»، وكان عنده ما يحوّر ما قالا به تحويراً يلائم روحه. قال السوفياتي «ينبغي أن تكون الحقيقة جزءاً من الأدوات التي تفتش عن الحقيقة»، وتحدث الإيطالي عن «المثقف الجمعي الذي هو الحزب في فئاته المختلفة». أعتقد مهدي أن الحزب هو الحقيقة، وأن جميع الحزبيين، في القمة والقاعدة، وجوه حقيقية للحزب السائر إلى الانتصار.

واعتقد أن هؤلاء جميعاً تجسيد للنظرية ـ المثال، سواء صرحوا بما يفعلون ـ أو تركوا أفكارهم «في حالة تطبيقية»، يعطيها الفيلسوف الحزبي صياغة نظرية مطابقة، كما فعل في كتابه «النظرية في الممارسة السياسية».

في مطلع السبعينيات الماضية، حين بدا الأفق واعداً، اجتهد مهدي في أن يكون «فيلسوف التحرر»، فكتب عن «نمط الإنتاج الكولونيالي»، الذي يعيد إنتاج أنظمة تعترف بمصالح الكون كله ولا تعترف بمصالح شعوبها، وعن «أزمة الحضارة العربية»، التي هي من أزمة أنظمة مستقرة ألغت معنى الأزمة ووطّدت الركود.

… وفي منتصف الثمانينات، حين كانت قوى التحرر سائرة إلى الغرق، آثر مهدي أن يوازن بين النظرية والتبشير، وان يجعل من «المثقف العضوي» مثقفاً رسولياً يرفع ألوية الخلاص ويموت في الطريق. مارس خياراً أخلاقياً أقنعه، وهو المغترب البريء المعزول، أنه مدعوم من جماهير واسعة تسير إلى النصر الأخير.

مهدي عامل – في الدولة الطائفية – مقتطفات


مهدي عامل – في الدولة الطائفية – مقتطف عدد 1

في النقد

” شرط النقد أن يكون بين الفكر المنقود والفكر الناقد اختلاف. وشرطه أن يمتلك الفكر الناقد أدوات نقده. والنقد انتاج لمعرفة هذا الإختلاف الذي هو, بين الفكرين, حد معرفي فاصل بينهما, إذا اختفى, انتفى النقد. والحد هذا هو الفاصل, في حقل النظر في المسألة الطائفية, بين الفكر البرجوازي المسيطر, والفكر الثوري النقيض.فأين يقوم هذا الحد فاصلا في هذا الحقل بين الفكرين؟ كيف يظهر؟ أعني, في أي شكل مفهومي؟…وأميز بين نقدين: واحد ضد اشكال متجددة من الفكر البرجوازي, وآخر هو نقد لما قد يكون, في حركة انتاج الفكر الماركسي, انزلاقات الى مواقع فكر الخصم, في شكله الطائفي المسيطر.”

مهدي عامل – في الدولة الطائفية ص8 وص9….

” أول فعل للنقد إسقاط الحصانة عن النص. ليس من نص مقدّس, ولتكن اللعبة مكشوفة. لكن النص يراوغ, والنقد يراوغ حتى يضع النقد النص في موقعه, في حقل الصراع الطبقي المحتدم في حرب أهلية ميتمرة. إنه موقع ممارسة ايديولوجية وسياسية محددة, في مرحلة تاريخية محددة, ولهذا كان النقد. “مهدي عامل – في الدولة الطائفية ص11.

ضرورة دعم الدولة المركزية والجيش!!!

” في السنة الأولى من ولاية أمين الجميل, وبعد توقيع معاهدة 17 أيار, أصدرت مجلة الواقع عددا خاصا في تشرين الأول 1983, بعنوان : « لبنان: دروس واحتمالات», …إن جميع هذه الدراسات, تقريبا, تنتهي, بموقف سياسي واحد, في صيغة تكاد تكون واحدة, هي ضرورة دعم الدولة المركزية وتقويتها (وكذلك الجيش), دولة حزب الكتائب, ودولة معاهدة الذل مع إسرائيل. “

مهدي عامل – في الدولة الطائفية ص12

عجز القوى الفاشية عن فرض نظامها, برغم استعانتها بإسرائيل وبقوى الحلف الأطلسي وتأكد ضرورة تغيير النظام السياسي القائم, كشرط لانتهاء الحرب الأهلية” لكن, بعد سنوات من الحرب الأهلية, وبعد أن عجزت القوى الفاشية عن فرض نظامها, برغم استعانتها بإسرائيل وبقوى الحلف الأطلسي, وبرغم وصول ممثليها الإثنين, الأول الذي قتل, والثاني الذي لم يقتل, إلى رأس الهرم من السلطة السياسية, أخذت تتأكد, في سيرورة هذه الحرب, ضرورة تغيير النظام السياسي القائم, كشرط لانتهاء الحرب, وأخذت مقولة الفرادة, تاليا, تفقد وظيفتها في الدفاع عن هذا النظام, وفي الإسهام في تأمين ديمومته, من حيث أنّها, في حقل الدلالات المحدّد بحقل الصراعات السياسية الإيديولوجية الطبقية, وبتطوره, بدأت ربّما تعني التحنط في صيغة جامدة.من موقع الفكر البرجوازي المسيطر في شكله الطائفي القضية في تأبيد هذا النظام وفي شروطه بالعمل على إلغاء كلّ عائق يحول دون اتساقه …من موقع فكر هو اياه الفكر البرجوازي المسيطر في شكله الطائفي, لم تعد القضية قضية نظر في تغيير النظام السياسي الطائفي وفي شروطه, بل استحالت قضية نظر في تأبيد هذا النظام وفي شروطه, بالعمل على إلغاء كلّ عائق يحول دون اتساقه, في واقعه التجريبي اللبناني, بقانونه العام, أو بنموذجه. …”

مهدي عامل – في الدولة الطائفية ص 13 وص 14في مفهوم الطائفية

” ولعل أول من صاغ الفكر البرجوازي المسيطر في شكل من البداهة هو شيحا. « فكلّ ما كتبه شيحا حول تجربة لبنان التاريخية مرتبط بتعريفه للبنان على أنه – بلد أقليات طائفية متشاركة-…» (ناصيف نصّار, لبنان بين الإنفجار والإنصهار, مجلة الواقع العدد 5-6 سنة 1983) … , فبات بدهيا القول إن الطائفة كيان اجتماعي قائم بذاته, متماسك بلحمته الداخلية, عميق الجذور في وجوده, حتى يكاد يكون في حاضره ما كان, قبل, في ماضيه, متكرّرا بلا تغيير. هكذا تستحيل الطائفية, بهذا التعريف الحاضر في كل ما قرأت, جوهرا, أو ما يشبه الجوهر, من حيث هي العنصر الأول البسيط, أو الوحدة الإجتماعية الأولى في تكوين المجتمع اللبناني الذي يتعدّد بتعددها, فيتحدد, طائفيا, كإطار خارجي لمجموعة من الأقليات المتعايشة. ولا تقوم, في مثل هذا المجتمع, علاقات اجتماعية سوى بين الطوايف, ولا يمكن لمثل هذه اللاقات فيه أن تتحدّد إلاّ كعلاقات طائفية, مهما حاول البعض من المتحذلقين أن يتذاكى بتوفيق يقوم به ما يسميه, بفضاضة, «الطائفية والطبقية». فمثل هذا التوفيق مستحيل في مبدئه كما سنرى, بعد, بالتفصيل.ضدّ الظاهر من الأشياء, وضدّ الوعي المتسطح في البدهي, وضدّ الفكر المسيطر في الشائع والمرئي, وضدّ التجريبي الخادع, ضدّ الفكر البرجوازي ينبني الفكر العلمي في محاولته – أو محاولاته – إنتاج معرفة مادية متسقة, من موقع هو نقيض لموقع الفكر المسيطر. ماذا لو كانت الطائفة, إذن, كما بيّنا, من هذا الموقع النقيض, ليس شيئا, بل علاقة سياسية محددة بشكل تاريخي محدد من حركة الصراع الطبقي, في شروط البنية الإجتماعية الكولونيالية اللبنانية؟……………

مهدي عامل – في الدولة الطائفية ص16 وص17

في علاقة الدولة بالفرد

” في المجتمع المتجانس وحده يوجد الفرد كمواطن, مستقلا بذاته, في علاقته المباشرة بالدولة. وشرط وجوده في هذه العلاقة الحقوقية, أن يكون حرّا من كلّ انتماء آخر (ديني أو طبقي, مثلا) غير انتمائه إلى ذاته التي هو فيها, وبها, في علاقته بالدولة, ذرة اجتماعية. ولا وجود له من خارج علاقته هذه بالدولة. علاقته بها هي وحدها العلاقة الإجتماعية, قائمة, في منظور الفكر البرجوازي, على قاعدة تغييب العلاقة الطبقية, من حيث هي, في أساسها المادي, علاقة انتاج. لئن كان الوجود الإجتماعي الفعلي, في المجتمع المتجانس الموحّد, هو للفرد, موضوعا بالدولة كمواطن، فهو في المجتمع المتعدّد, بالدولة, للطائفة, لا للطبقة, ولا للفرد. “

مهدي عامل – في الدولة الطائفية ص22 وص23.

تخلفنا من منظور مهدي عامل


تخلفنا من منظور مهدي عامل

مكارم ابراهيم

الحوار المتمدن – العدد: 3431 – 2011 / 7 / 19

قال الفيلسوف اليوناني أرسطو البشر هم حيوانات إجتماعية ولاجل ربط العلاقات الاجتماعية بين المواطنين علينا بناء مؤسسات ذات سلطة ويجب توزيع هذه السلطة بين سلطة تنفيذية وتشريعية وقضائية.

من هذا المدخل أود تناول موضوع تخلفنا الحضاري او تراجع التطورالحضاري في الوطن العربي كما يعبر عنه العديد من الكتاب العرب في كتاباتهم دون اعطائنا حجج علمية او قاعدة علمية تم الاعتماد عليها في وصولهم الى هذه الفرضية .

وقد اعتمدت على كتاب الفيلسوف الماركسي مهدي عامل الذي يحمل عنوان(ازمة الحضارة العربية ام ازمة البرجوازيات العربية)تناول مهدي عامل طبيعة الوعي الفكري للنخبة المثقفة من الكتاب العرب الذين ضمتهم ندوة ثقافية في الكويت عام 1978وكان عنوان الندوة (ازمة التطور في الحضارة العربية ) حيث يحلل اسباب هذا الطرح للنخبة المثقفة التي تعتبر ازمة التطور التاريخي للواقع الاجتماعي هي ازمة في التطور الحضاري وفي بنية الحضارة العربية التي كانت زاهرة في مرحلة تاريخية محددة ثم دخلت في طور الانحطاط ولم تخرج منه الى الان . اي ان مشكلتنا هي ازمة حضارية عامة ليست خاصة تتعلق في التخلف السياسي والديني والاخلاقي وفي بنية الانسان العربي . فالمثقف العربي يصف الحضارة على انها تبنى على اساس عام اي ما اتفق عليه الغالبية وليس على اسس علمية.

فالازمة في نظرهم هي حضارية بحتة. والاختلاف الحضاري بين الشعوب يعتمد على كمية المسافة التي قطعتها لتصل الى مستوى معين فالمسالة هي تقدم اوتخلف بالمعنى الكمي وتأخر زمني. وبالتالي فان تقدم الحضارة العربية يكون اذا اتبعت نموذج امريكا واوربا الغربية.والاختلاف بين حضاراتنا هو العقل الذي يرسم ظواهرالحياة الاجتماعية.

وهنا يتعارض راي الفيلسوف مهدي عامل كليا مع هذه التفسيرات حيث يعتمد في ابحاثه على المنهج الماركسي فهو يرى ان الازمة لدينا ليست حضارية عامة بل خاصة أي تتعلق بالطبقة المسيطرة وهي ترتبط بازمة تطور البنيات الاجتماعية التي ترتبط بابعاد اقتصادية وسياسية وايديولوجية وبالاخص علاقات الانتاج على اعتبارها انها القاعدة المادية الاساسية للبنية الاجتماعية الى جانب نمط الانتاج المسيطر الذي تنتمي له البنية الاجتماعية فنمط الانتاج الحالي ليس هو استمرار او تطور تدريجي لنمط الانتاج القديم بل هو تقاطع بنيوي معه بكل مايحمله من بنى تحتية وفوقية كالدولة والوعي الفكري والدين والاخلاق.

ومن المهم ان نعلم بان بداية تكون علاقات الانتاج الراسمالية في الدول العربية لم تنشأ مع بداية ظهور الاسلام بل مع بداية التغلغل الامبريالي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولهذا فمن الخطا العودة لاصل نشوء الاسلام لفهم البنية الاجتماعية الحالية المرتبطة مع ظهور الرأسمالية .ولهذا فانه كي نفهم الحضارة الحالية يتطلب منا البقاء في الحاضر وليس الرجوع للماضي .فالحاضر هو مفتاح الماضي وليس العكس حسب ماركس وازمة التطورلدينا هي ازمة علاقات الانتاج للطبقات البرجوازية المسيطرة .

ويرى مهدي عامل الحضارة على انها اما ان تكون حضارة رأسمالية اواقطاعية اواشتراكية ولايمكن الفصل بين ماينتجه الناس في زمن معين عن الشكل الذي به ينتجون وعن علاقات الانتاج التي في ايطارها تتم عمليات انتاجهم الاجتماعية لانها مجموع نتاجات المجتمع الاجتماعية والفكرية والمادية وتطورها مرتبط بتطور المجتمع الطبقي . وعليه فالحضارة تبدا مع الانتقال الى المجتمع الطبقي وظهورالدولة كاداة سيطرة في يد طبقة مسيطرة.

ونرى تقارب كبير بين مهدي عامل وابن خلدون في تعريف الحضارة حيث يرى ابن خلدون انها الانتقال من نمط الحياة البدوية او المجتمع القبلي الى نمط الحياة الحضرية اي المجتمع الطبقي.

يرتكز مهدي عامل في تحديد الازمة في الوطن العربي على التناقض الطبقي اي الصراع الطبقي بين طبقة العمال والطبقة البرجوازية المسيطرة وحلفائها. وليس على الاسباب التي اعتمدها الكتاب العرب في الندوة.

وحسب رايه فان النخبة المثقفة ترجع اسباب الازمة الى التخلف الحضاري للانسان العربي على الرغم من انها في صراع مع الطبقة البرجوازية المسيطرة .الا انها تنظر للمسالة من خلال فكر الطبقة البرجوازية المسيطرة .

ويؤكد مهدي عامل على ان ازمتنا الحضارية هي نتيجة وجود عوائق في انتقال البنية الاجتماعية الى اطوار اخرى اي انتقال نمط الانتاج من طور لاخر وبالتالي وجود عائق يمنع هذا التطور كالانتقال مثلا من نمط راسمالي الى اشتراكي .

ولهذا يجب التركيز على حركة الصراعات الطبقية داخل البنيات الاجتماعية . والازمة في راي مهدي عامل هي نتيجة تبعية علاقات الانتاج العربية للسيطرة الغربية .فاذا تحررت من هذه السيطرة فسنتحررمن التخلف. واستمرار سيطرة الطبقة الحاكمة يكون باستمرار بقاء علاقات الانتاج تابعة وغير متحررة. ويستنتج مهدي عامل بان تقدم الحضارة الغربية كان نتيجة تطورالبنية الاجتماعية لعلاقات الانتاج بالشكل الرأسمالي والامبريالي.

مشكلة المثقف العربي انه يرى سبب الاختلاف بين الشرق والغرب هو العقل الذي يبني الظواهر الاجتماعية . ولكن هل العقل وحده يكفي للتقدم الحضاري ؟ فالعقل يقترح افكارا تنبع من حاجة الفرد للبقاء على قيد الحياة في البيئة التي يتواجد فيها على سبيل المثال :المناخ يلعب دورا في اختيارالعقل لمتطلبات معينة .فالبرد القارص سيحرض العقل على اكتشاف السخان المدفئة ولكن لتحقيق هذا الاكتشاف العلمي يتطلب ان تتوفر له الامكانيات والمساعدات اللازمة من قبل الدولة لهذا المخترع, والازمة في حضارتنا العربية هي وجود جهاز قمعي ليس فقط مخابراتي بل طبقي لمنع اي اكتشاف ان يرى النور.

يقول مهدي عامل “الفكر العلمي له طابع كوني ولايصح له ان يقال عنه غربي او شرقي”.

اما الكاتب نادر قريط فيحدد الاختلاف بين الشرق والغرب بالشكل التالي ” وقد يكون نظام العصبيات (قانون الدم) هو الأبلغ لوصف المشرق العرب ـ إسلامي، حيث كانت مدنه أسيرة أبديا لمحيط بدويّ يسيل لعابه عليها، فمعظم السلالات التي تناوبت على ركوبه (عرب، سلاجقة، مرابطون، كرد، ترك) كانت من أصول قبلية، بعكس أوروبا الوسيطة التي عاشت منذ سقوط روما وفق نظام جمع النبلاء والكنيسة والقنانة في إقطاعيات ربطتهم قسريا ووجوديا، لتكوّن فيما بعد بذرة وعي جمعيّ انبثقت منه فكرة التضامن والوطن والدولة الحديثة. أمّا في المشرق فقد ساهم مناخه الحارّ الجافّ في خلق أنماط معاشية تتيح للسكان الترحال بين حياة الوبر والمدر، وهذا ساهم في قلق المدينة (مركز الأرثودوكسية والكتابة) وقلق فكرة الوطن في الذات الجمعية، وما زالت صور هذا القلق تتجسد في لاوعي مشاعيّ (أرض الله واسعة) واستهتار بالمصالح العامّة وقيم التضامن واقتران مفهوم “الحكم” بالغنيمة أو السلطة الغاشمة، مع أنّ الجذور الدلالية للفظ “حَكَمَ ” تدلّ على “العدل والحكمة” (إنتهى)

ان الابداع في سيطرة السلطة الحاكمة على الشعب له استراتيجيات متنوعة. وهناك من الفلاسفة من قدم نصائح لاصحاب النفوذ بغرض الحفاظ على نفوذهم .ومنهم الفيلسوف الايطالي نيكولو ميشيافيلي في كتابه (الامير) 1532وبالدنماركيةFyrsten) ) يتناول الصراع بين الشعب والحاكم وبالتحديد يذكر الخطط التي يستطيع صاحب النفوذ ان يقوم بها للسيطرة على الشعب اوعلى دولة ما. وكيف يمكن له القضاء على اعدائه دفعة واحدة وليس بالتقسيط .وكيف يستخدم طبقة معينة من الشعب (الجيش او قوات خاصة او رجال الدين) للسيطرة على الشعب كله. وهنا اذكر مثال صغيرعلى هذا فعندما وصل انس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك سابقا للحكم فانه الغى مؤسسات حكومية عديدة في نفس الوقت ولم يتدرج في الغائها بالتقسيط لانه كان يرى فيها تهديدا لنفوذه .

ختاما وبعد عرض تحليل الفيلسوف مهدي عامل حول اسباب التاخر في الوطن العربي فانه من الضروري تسليط الضوء على الارتباط الوثيق للدين بالحكم لتثبيت دعائم الدولة . حيث ان الحكومة تفرض ثقافتها (الدين ,العادات والتقاليد )بالقوة على الشعب. وخاصة اننا نعلم باهمية الدين لدى الكثير من الافراد لانه جاء لغرض اشباع حاجات الانسان الروحية والنفسية و جاء نتيجة لعدم قدرة الانسان على تفسير الظواهر الطبيعية حوله واصل نشؤه وبالتالي اصبح الدين عامل إيديولوجي رئيسي لدى طبقة اجتماعية معينة تستخدمه من اجل السيطرة على ثروات الدولة والدول الاخرى ولاطول مدة ممكنة ولهذا فان هذه الطبقات تورث الحكم. وفي العراق نلاحظ تحالف وثيق بين الدين والقوى العشائرية بحيث يحدد السلطة في العراق.

فالدين يعتبر احد العناصر التي تستخدمها السلطة في بنائها الهيكلي وهذا بالتاكيد من العناصر التي ذكرها الفيلسوف الايطالي نيكولو ميشيافيلي في استمرار السيطرة على الشعب . من المعلوم ان اي فكرعلمي معاصر ياتي به عالم يخالف ماجاء في الاديان سيمنع من الوصول الى الاعلام . وتنوع الاديان في الدولة العربية الواحدة يعتبر عنصر مهم في سيطرة الحاكم بشكل افضل على الشعب وذلك من خلال افتعال مشاكل طائفية بين الفئات الدينية المختلفة وبهذا ينشغل الشعب بهذه الازمات ومراقبة الفئات الدينية الاخرى بدلا من مراقبة الحاكم.

وانهي مقالتي بمقولة للفيلسفوف الماركسي مهدي عامل ” إن سبب التخلف في العالم العربي ليس ببقاء ماضينا في حاضرنا بل هو بسبب حاضرنا الذي يجعل ماضينا يبقى فينا “.

مكارم ابراهيم

19/7/2011

مصادر:

ازمة الحضارة العربية ام ازمة البرجوازيات العربية1978 للفيلسوف الماركسي مهدي عامل

http://www.4shared.com/get/-Qzsj-DG/______.html

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=0&userID=1657&aid=267476