مــــــــــهـــــــدي عــــــــامــــــل

صفحة تختص بالمفكر الماركسي الشهيد مهدي عامل

في فكر مهدي عامل: لـ”تتحالف” كل مناهج الفكر النقدي


في فكر مهدي عامل: لـ”تتحالف” كل مناهج الفكر النقدي

جورج قرم

ان اعادة قراءة اعمال المفكرين الذين مارسوا الفكر النقدي مفيدة للغاية. وفكر مهدي عامل، رغم القوالب الماركسية التي تصوغه، والتي سأضع بعض التساؤلات حولها، ليس بالفكر الجامد، بل هو يعبّر عن جوهر ممارسة الفكر النقدي. ولذلك، سأدعو في آخر مداخلتي هذه، الى تصالح المدارس الفكرية المختلفة التي تعمل على اساس رفض الفكر الجامد وممارسة جوهر الفكر النقدي. وهذا ضروري لأن العالم الذي نعيش فيه اليوم يمرّ بفترة مأسوية، حيث هناك محاولات من جميع الجهات لقتل الفكر النقدي. ونحن في العالم العربي معرضون اكثر من غيرنا، ومنذ زمن طويل، لقتل الفكر النقدي من جانب القوى السياسية المختلفة. واعتقد ان كتاب مهدي عامل هو قدوة، وهو نموذج جذري رائع في ممارسة الفكر النقدي، رغم ان القالب الشكلي الذي يستعمله له صفة جامدة، مستوحاة من الماركسية في مرحلة تاريخية معينة. ولا شك عندي في ان مهدي عامل لو كان لا يزال حياً لعمل نقداً لنفسه وللمرحلة التي كان يكتب فيها بلغة معينة. كما لا شك عندي في ان للفكر النقدي مستقبلاً كبيراً اذا تمكّن هذا الفكر من التخلص من القوالب الجامدة أكانت ليبرالية او يسارية المنحى. انما لسوء الحظ، نرى في كثير من الاحيان ان هذا الفكر يُحدّ من فاعليته عندما لا يتمكن من الخروج من القوالب الجامدة الخاصة به.

أود في المقدمة ان ادلي بثلاث ملاحظات اساسية:

الملاحظة الجوهرية الاولى تدور حول اهمية كتاب “أزمة الحضارة العربية أم أزمة البورجوازيات العربية” في الظرف الراهن، خاصة بعد مأساة العراق وبعد اشتداد هجمات العنف المشبوهة باسم حركات دينية او باسم الدين. امس في السعودية، اليوم في المغرب. نحن في حالة تفكك، في حالة تغيرات عملاقة، في حالة ضياع، تشبه تماماً الظروف التي كتب فيها مهدي عامل هذا النقد الجذري في كل المفاهيم المستعملة في المنظومة الفكرية العربية آنذاك. ولذلك ارى ان اعادة قراءة هذا الكتاب مفيدة للغاية لان مناهج طرح اشكاليات التخلف الحضاري العربي التي ينتقدها المؤلف ما زالت المناهج نفسها للاشكاليات نفسها الدارجة اليوم. واعترف لكم انني لم اتمكن منذ غزو العراق من قراءة مقالة واحدة من سيل المقالات التي تدعو الى اعادة النظر في الاوضاع العربية، والتخلف العربي، ومثل هذا الكلام الذي ينهال علينا في شكل اعمى هو تكرار للكلام ذاته الذي قيل وكتب بعد نكسة الـ67 وبعد نكبة الـ.48 فلذلك أجد كتاب مهدي عامل نسمة من الهواء الطلق. ومع أن الكتاب قد تمّ وضعه في ظروف حرب الـ،73 وكان العرب قد استعادوا شيئاً من صدمة انهيار الـ،67 فإن نقده لاشكالية التخلف العربي هو نقد جذري، يمكن تطبيقه في شكل عام على ما نحن فيه اليوم وعلى استحالة تحديد ماهية تخلفنا وفهمها. نحن ما زلنا في الوضع نفسه، ولم يتغير شيء في اوضاع الوطن العربي، بل قد زاد تخلفنا الفكري. ولهذا السبب اعتقد ان كل التساؤلات، كل النقد اللاذع الموجود في هذا الكتاب هو في محله اليوم بكل تعبيراته وبأدق التفاصيل.

الملاحظة الثانية التي لا بد من ابدائها طبعاً هي قوة الحجج النقدية والجرأة في النقد، شمولية النقد والجذرية فيه. وانا اعجبت فعلاً بالاسلوب اللاذع لمهدي عامل. فهو لم يترك موقفاً لكل اعلام النهضة العربية دون التعرض له، واعاد النظر في مناهج تفكيرهم واشكالياتهم، بمن فيهم ادونيس، وقسطنطين زريق، وانور عبد الملك، وفؤاد زكريا، وصادق العظم. باختصار تناول كل المثقفين العرب وأخضع طروحاتهم المختلفة لنقده الصائب في كل مرة.

وقد اعجبت فعلاً بأسلوبه لأن هذا النوع من الجذرية مفيد. تنقصنا جميعاً اعادة النظر في المقولات والمفاهيم التي نستخدمها في كل تفكيرنا وكتاباتنا، وكأنها مسلّمات لا حاجة لإخضاعها الى النقد. اليوم كلما اكتب انتبه لكل مفهوم استعمله: ماذا وراءه من معان مختلفة وكيف استعمله ولماذا؟ ماذا يوجد في اللاوعي عندي لأستعمل هذا المفهوم؟ هنا النقد المنهجي الشامل لمنظومة المفاهيم التي على اساسها قامت كل النهضة العربية واجيال المفكرين الذين تفرعوا عن الرواد الاولين للنهضة العربية، ومنهم جيل مهدي عامل الذي يناقشهم في الطروحات التي عرضوها في ندوة الكويت حول الازمة الحضارية العربية. ويقوم مهدي عامل في مؤلفه بنسف أسس اللغة المستعملة والمسلمات المفاهيمية لدى كل رواد النهضة العربية، منتقداً ايضاً استعمال تعبير “النهضة”. ويرينا مهدي عامل كم هي سخيفة مسلمات الكتابة، وكم تساهم في خلق دائرة فكرية مقفلة وعقيمة.

الملاحظة الثالثة هي الاشارة الى ان التساؤلات التي يثيرها هذا الكتاب ما زالت قائمة الى يومنا هذا، سواء ما يتعلق منها بالقالب الفكري الخاص بمهدي عامل، ام تلك التي تُعنى بالاشتراكية “العلمية” والماركسية. هل اعطانا مهدي عامل فعلاً اساليب الخروج من المحنة التي يتخبط فيها العرب؟ وهل الفكر الماركسي الذي يطبقه هو المنهج الصحيح لمعالجة ازمة الحضارة العربية؟ هاتان نقطتان مهمتان سأعود اليهما في ختام حديثي.

اما الآن سأختار محورين في هذا الكتاب لأركز عليهما: الطرح النقدي الذي أعتبره أهم معطى في هذا الكتاب ومن ثم التساؤلات التي يثيرها هذا النقد العظيم والبنّاء حول الحلول للخروج من الازمة وهل الحل الموجود عند مهدي عامل في الظرف الذي كتب فيه والمقيدات التي كانت سائدة في هذا الظرف، هو الحل الصحيح للقضاء على تخبطنا في التخلف.

عندما نستعرض الاسلوب النقدي لمهدي عامل ونسعى الى رسمه لأنه لوحة جميلة للغاية، نجد فيه ترابطاً كبيراً. ومن ينظر الى هذه اللوحة بكل تفاصيلها يصبح مشدوهاً بجمالها والطاقة الموجودة فيها لاستنباط حلول. ومن هذا المنطلق، اعتقد انه حري بنا ان نركز قليلاً على استنتاجات مهدي عامل النقدية. هناك عنصران رئيسان: ان الفكر العربي المعاصر منذ عصر النهضة هو فكر عقيم، لأنه دائري الطابع يدور على نفسه بشكل مقفل، فهو ليس منفتحاً فعلياً على المشاكل الحقيقية التي تتخبط فيها المجتمعات العربية. وذلك لأن الفكر النهضوي العربي يرفض الأخذ في الاعتبار الواقع الاستعماري الذي يسود المجتمعات العربية ويولد تبعية للفكر الغربي تحول دون ايجاد الحلول الجذرية واساليب الخروج من التخلف. ولهذا السبب أرى في كثير من الاحيان ان هناك استنزافاً فكرياً عند المثقفين العرب الذين يناقشون باستمرار المواضيع نفسها والاشكاليات نفسها في تحليل التخلف وبتكرار رتيب لا يؤدي الى اي نوع من النتيجة. ويقول مهدي عامل مرتين او ثلاث مرات في كتابه ما معناه انه اذا كانت هذه المشكلة لا حل لها فهذا يعني ان المشكلة مطروحة بطريقة غير صحيحة، وهو في ذلك على حق تماماً. وهذه ممارسة لا نزال نعمل بها حيث نغلق على انفسنا لاننا نضع اشكاليات لا يمكن ان نجد لها حلاً او حلولاً، لأن معطيات الاشكالية هي اساساً غير صالحة وغير متجذرة في الواقع المجتمعي الذي نعيشه. اذاً هي معطيات “غيبية” الطابع، كما يسميها مهدي عامل في صفحات عدة من هذا الكتاب. والحقيقة أنني منذ وعيت قضية التخلف، عندما بدأت دراساتي الجامعية في باريس وتعلمت اني “متخلف” بالنسبة للشخص الغربي “المتقدم”، يعني بالنسبة الى زميلي الفرنسي او الايطالي الذي يجلس بقربي، وأنا منزعج للغاية من مفهوم التخلف، لأني كلما قرأت او سمعت وصفاً للتخلف واسبابه لم أتمكن من تحديد ما هو الفرق بين السبب والمظهر. وهذا ما يقوله مهدي عامل وباسلوب انيق اذ يفسر كيف تلتبس مظاهر التخلف وتعبيراته عن وصف واقع التخلف من جهة، ووصف عوارض هذا المرض من جهة اخرى والتي تلتبس باسباب وجوده، فندور في الحلقة المفرغة. ولا أحد يعرف لماذا التخلف وكيف يُنتج التخلف. ومن ثم الى اين نصل في هذه القضية؟ لا نصل الى مكان في الحقيقة، فنحن متخلفون لأن عقلنا متخلف! ولكن لماذا عقلنا متخلف! لأن عقلنا ليس معاصراً؟ ولماذا عقلنا ليس معاصراً؟ لأن عقلنا متخلف. هذا هو الطريق الدائري للتفكير المسدود أفقه، وأنا لا شك عندي في اننا الى اليوم نضيع وقتاً كبيراً، خصوصاً اننا نحن مثقفي العالم الثالث، نقع في هذا المنطق الدائري المقفل على نفسه الذي لا يوصلنا الى مكان. كان مهدي عامل على حق عندما طالب بثورة على المفاهيم، هذه المفاهيم التي نستعملها بكثافة دون اخضاعها الى النقد. ويقوم مهدي عامل بهجوم عنيف جداً على مقولات الاستشراق الغربي التي يصفها بأنها تعبّر عن انتاج الثقافة الامبريالية. وقد تعمقت شخصياً في آخر كتاب لي تحت عنوان “الشرق والغرب: الشرخ الاسطوري” في معظم المسلمات المفاهيمية للثقافة الغربية الحديثة في السياق نفسه لمهدي عامل، ودون ان استعين بالمنهج الماركسي. وبالفعل شعرت بأننا اسرى مقولات ومفاهيم لا تصلح لدراسة وفحص وضعنا العربي ونمط علاقتنا مع العالم الغربي وفكره. وأنا، اذ لا استعمل كثيراً كلمة الامبريالية لانها اصبحت اليوم كلمة منفرة واصبحت امراً شبه ممنوع، رغم انها كلمة مهذبة أكثر من كلمة استعمار، ولكن لا أتردد في القول إن الثقافة السائدة، الثقافة المهيمنة هي الثقافة الغربية التي اعطتنا كل هذه المفاهيم التي نستعملها دون تمحيص كاف. ويقوم مهدي عامل بأمر مهم جداً في هذا الخصوص هو نقد مقولتي الاصالة والحداثة. وأنا اذكر، عام ،1974 عندما ذهبت الى مؤتمر في كندا حول السوسيولوجيا، ولم اكن قد تعرفت على اعمال مهدي عامل، ولكن انتقدت مفهوم الاصالة، قلت ما هي قصة الاصالة؟ هذا امر غريب، هل هناك شعوب اصيلة وشعوب غير اصيلة؟ فشننتُ هجوماً عنيفاً على كل الدراسات السوسيولوجية التي بدأت بالاهتمام بأسس التوفيق بين الاصالة والحداثة. طبعاً تم رفض هذا النقد في هذه الندوة، لأني ارتكبت فيه الجريمة الكبرى بانتقادي احدى الاشكاليات الرئيسة التي وضعها الفكر الغربي حول العالم الثالث، ولم يناقشني احد في الموضوع. وفي نقده يتناول مهدي عامل اعمال المستشرق المشهور، جاك بيرك، ومعه حق في ذلك لأنه ترك اثراً كبيراً على المثقفين العرب الفرنكوفونيين، وهو الذي ساهم في انتشار مقولة الاصالة. لا شك ان جاك بيرك منظّر لهذا الشعور بأن مشكلة العرب هي في الاصالة المفقودة. وقد جاء بعده المفكر التونسي هشام جعيط، المتأثر جداً بفكر جاك بيرك، واعطانا ايضاً المؤلف الضخم الميتافيزيقي الطابع عن “الشخصية والمستقبل العربي الاسلامي”، وهو مؤلف اثر على اجيال من الطلاب، بعدما فتح جاك بيرك الطريق الى تكريس هذه الاشكالية بين حداثة واصالة ما زال يتخبط فيها الفكر العربي الى اليوم. واليوم، اذهب الى ابعد من ذلك في نقد الاشكاليات السائدة، وبشكل خاص مفهوم الغرب ومفهوم الشرق: من اين أتى هذان المفهومان واين الغرب واين الشرق؟ هما تخيلات متغيرة المحتوى وصفتها في كتابي الاخير(1)، كما وصفت تغير الخط الذي من المفروض ان يفصل بين الشرق والغرب، لانه في فترات معينة كان الشرق يعني الصين واليابان وكان الغرب يخاف منهما، ونظرته الى الصينيين واليابانيين كانت نظرة كراهية وازدراء شديدين. والجدير بالذكر ان نظرة الانفصال بين الشرق والغرب كانت كائنة ايضاً داخل الكنيسة المسيحية، اي في الدين الواحد، بين كنيسة روما وكنيسة القسطنطينية، ثم اصبحت بين البروتستانت والكاثوليك. اذاً، هذه المقولات التي نستعملها وتأتي تحت قلمنا في شكل عفوي، يجب علينا ان نبذل جهداً لاعادة النظر فيها. وهذا ما يفعله مهدي عامل باستمرار متسائلاً هل مقولة التخلف هي المقولة الفعلية التي ستسمح لي بالتقدم في فهم الواقع الذي أنا فيه؟ وهنا لا شك في ان منهج مهدي عامل في اعادة النظر المستمرة بالمقولات المستعملة يؤدي الى نقد لاذع للمثقفين العرب جميعاً، بمن فيهم ادونيس او قسطنطين زريق مثلاً، وكلنا نحبهما، وهنا تبرز جرأة مهدي عامل الذي يدعو الى اعادة نظر نقدية وشاملة لاشكالية رواد النهضة العربية. ويُفاجأ القارئ بهذا النقد الشمولي والجذري لفكر النهضة العربية الذي نعتبره اليوم مثالاً في المنطق الرصين. ولكن هو نقد صحيح ويشمل ايضاً مقولة التراث. وطروحات مهدي عامل اراها مهمة جداً، فهو يقول إن المشكلة ليست “تراثية”، ليس التراث هو الذي يخلق مشكلة التراثية، وليست هي عقبة العقبات، بل ان العقبة تكمن في الطريقة التي يتعامل بها العرب المعاصرون مع تراثهم. وتالياً فإن التراث بحد ذاته ليس العقبة في نظرة مهدي عامل.

لا بد هنا من الاستشهاد بما جاء في الصفحة 177 من كتابه حيث يقول: “لذا وجب القول ان تماثل التراث بذاته ليس وليد حركة فيه هي حركة جموده او تحنطه، او حركة تكرار منه تقوده بذاته الى منافسة الفكر الحاضر او المعاصر، بل انه وليد هذا الفكر المعاصر الذي، في معالجته التراث ينتج التراث، او قل يعيد انتاجه في شكل يظهر فيه كأنه بذاته في جمود او تحنط او تكرار”.

هذه بالفعل جملة رائعة تشخّص كل العيب الموجود في مفهوم الاصالة ومفهوم التراث بالطريقة التي نتعامل فيها معهما الى اليوم. ويقول ايضاً مهدي عامل إن المشكلة ليست في العقل العربي، ويعيد هذا القول مرات عدة، بينما كل المحاضرين الذين شاركوا في ندوة الكويت قالوا إن هناك شيئاً ما في عقلنا كعرب، والطريقة الوحيدة لأن نخرج من أزمتنا هي ان نرى ماذا فعل الغرب ونحاول اللحاق به واستيعاب التقنيات منه. ويرفض مهدي عامل مناقشة التراث نفسه والامور الدينية، بل يناقش طريقة التعامل بالتراث. وأنا أشاطره تماماً الرأي في ذلك لأنني لا اعتقد ان الدين هو العقبة امام التقدم، سواء كان الدين الاسلامي او الدين البوذي او اي دين آخر، بل العقبة كائنة في الطريقة التي يتعامل فيها المجتمع مع دينه.

ليست المشكلة في الدين نفسه، لأنه في ظل الدين نفسه في ظروف تاريخية معينة، يكون المجتمع متحضراً ومتقدماً عن غيره من المجتمعات، وبعد 500 سنة او 200 سنة او 100 سنة، مع الدين نفسه، نرى ان المجتمع قد اصبح في طور الانحطاط ومتخلفاً عن غيره. اذاً، أية مناقشة للامور الدينية تصبح هدراً للطاقات الفكرية العربية. ويذهب مهدي عامل الى ابعد من ذلك اذ ينقد مفهوم “النهضة” وحتى استعمال كلمة النهضة كانت بالفعل عملية تغيير شامل، بينما عند العرب مفهوم النهضة يعني فقط “التجديد” ولا يعني “الولادة الجديدة”. طبعاً يمكننا هنا مناقشة الموضوع لأنه لا يوجد اي ولادة جديدة – حتى ولادة النهضة الاوروبية – الا بنوع من العودة الخيالية الاسطورية الى اصول ما. ويمكننا ان نعود خلال المناقشة الى هذا الموضوع – ولكن المهم هنا ما يراه مهدي عامل من ان استعمال مفهوم “النهضة” عند المفكرين العرب يعبّر عن رفضهم للحداثة، لأن الحداثة هي ولادة جديدة وعسيرة، ليست ولادة سهلة.

ويتعمق مهدي عامل في نقده للمنظومة المفاهيمية لرواد النهضة العربية عند نقده لمقولات “الانقطاع الثقافي” مع الحضارة الحديثة ومقولة “الاغتراب”، بمعنى التغريب، لأنه يرى، في ضوء منهجه الماركسي ان نمط تفكيرنا محكوم بنمط العلاقات الكولونيالية او الامبريالية الموجودة بين ما يسميه البورجوازية العربية، وانا افضّل استعمال تعبير “النخبة العربية” من جميع الفئات الاجتماعية، والبورجوازية المقيمة في المركز الامبريالي، اي في الدول الاكثر تقدماً. ويذكّر مهدي عامل، في اشكالية تشبه تلك التي يستعملها سمير أمين، بحالة التبعية الفكرية السائدة حيث تفضل البورجوازيات العربية البقاء في حالة تبعية على الدخول في حالة ما يسميه “التحرر الوطني” وهو تحرر طبقي في الوقت نفسه.

وانطلاقاً من هذه المعاينة يتهم مهدي عامل الفكر العربي بأنه مثالي، جوهراني، لا تاريخي، وانا معه في هذا الانتقاد كما هو واضح من طروحاتي في كتابي الاخير المذكور: ان فكر هيغل هو فكر جامد، خاصة مفهوم الحتمية التاريخية، “التاريخانية”، التي هي في النهاية لا تاريخية، وهذا الفكر قد أثّر كثيراً على كل المثقفين العرب حتى فكر الحركات الاسلامية الاكثر تشدداً او الفكر الكائن في الدعوة الى اقامة الدولة الاسلامية، كلها مبنية على نظريات اخذت الكثير من الهيغلية، وبطبيعة الحال من الهيغلية اليمينية والمثالية التي تسهل كثيراً كل المشاكل وتريح الفكر ولذلك تكون جامدة، اذ ترى في شكل تبسيطي ان من يمسك الدولة يكون قد امسك بالمنطق وبسر التقدم. وفي هذا المنظار، فإن اقامة الدولة الاسلامية هي حل كل مشاكلنا في نظر الدعاة الى اقامة مثل هذه الدولة. هنا طبعاً كنا نحب ان نتوسع اكثر في اشكالية مهدي عامل ومنهجه. اتصور انه كماركسي ركّز هجومه على الفكر الهيغلي اليميني. ولا داعي هنا ان ندخل في تفاصيل المجادلات بين اليساريين واليمينيين في الفكر الهيغلي، انما في النهاية ما ينقص فكر مهدي عامل هو نقد مفاهيم الهيغلية اليسارية التي تفرعت عنها الماركسية، وهذه النقطة سأعالجها في ما بعد. ومع ذلك، فإن مهدي عامل يطلق صرخة قوية يدعو من خلالها الى درس هذا النمط الانتخابي الكولونيالي، درس نمط التبعية التي ما زلنا فيها، وهو يندد بالبورجوازية التي تملكت التراث والتي تستعمله سلاحاً تتمترس خلفه، كي لا تتقدم حركة التحرر الوطني.

أتصور لو ان مهدي عامل ما زال حياً ورأى استعمال البورجوازيات والنخب العربية بكل مكوناتها للدين، لكان اصرّ على صحة نظريته، ولكن منطق مهدي عامل ومنهجه الفكريين يثيران تساؤلات كبيرة. هناك تساؤلات من خارج المنطق الماركسي وهناك تساؤلات من داخل المنطق الماركسي، منطق ماركسية العالم الثالث، مع الاشارة الى ان سمير امين هو الذي يكمل حمل هذه الشعلة ولا يمكن اغفاله هنا. والتساؤل هنا هو الآتي: اذا لم يحصل تغير في المركز فهل يمكن ان يحصل تغير في الاطراف وهي اسيرة تبعية فكرية مطلقة؟ هل الاطراف لها قدرة كافية لكي تتحرر من علاقات التبعية الفكرية والتبعية لبنية العلاقات مع المركز؟

وأنا اتصور ضمن هذا المنطق أنه لا تزال هذه التساؤلات وجيزة. وقلت اكثر من مرة في كتابي الاخير هل يمكن التغيير اذا لم يتغير الفكر الغربي وكل هذه المقولات التي نحن اسراها، وهي مقولات جامدة مو######## من السوسيولوجيا والانتروبولوجيا والفلسفة الهيغلية والفيبيرية؟ هل يمكننا نحن ان نفلت من هذه المقولات ونكوّن منظومة خاصة بنا؟ لا بد هنا من الاشارة الى ذكر ابن خلدون في شكل ممتاز في كتاب مهدي عامل وهل هناك امكان اليوم ان يظهر في الأفق ابن خلدون عربي يعطينا مقومات الاستقلال الفكري؟ فالموضوع في نهاية التحليل هنا يدور حول امكان تأسيس الاستقلال الفكري للقضاء على التبعية السائدة بين الاطراف والمراكز في كل المجالات دون الوقوع في المقولات التراثية الدينية التي تخلق انواعاً اخرى من حالات الاغتراب والانفصام.

وما قامت به بعض الدول مثل كمبوديا والبانيا والصين، عندما قامت بالثورة الثقافية، وكوريا الشمالية وحتى كوبا، كلها تجارب كارثية الطابع.

كل محاولات الفصل بين المركز الذي ينتج الثقافة ويمسك خيوط العولمة والنظام الاقتصادي العالمي قد فشلت، فهل يمكننا نحن كعرب، كلبنانيين، كسوريين، ان نفلت من علاقات التبعية ودون الوقوع في قالب المنطق الماركسي الذي له ايضاً جوانبه الجامدة؟ اقول ان بورجوازية قد تكونت كطبقة واضحة المعالم في فترة زمنية محددة من التاريخ الاقتصادي للغرب، انما اليوم التنوع الطبقي اصبح من التعقيد بحيث لا يمكننا ان نستعمل مفهوماً واحداً، لا يمكننا القول هذه طبقة واحدة مسيطرة وهي التي تمنع التحرك. لهذا السبب افضّل استعمال مفهوم مطاط هو “النخب” ومكوناتها المختلفة.

فالحقيقة ان المثقفين العرب تفرقوا لخدمة مصالح فئات عدة اجتماعية، سياسية، دينية، نفطية، عسكرية. وهذا يعني ان الواقع معقد في شكل انه لا يمكننا ان نختصر ازمة الحضارة العربية بأزمة فئة واحدة، اي البورجوازية، وهي غير موجودة اساساً كفئة متجانسة ومتماسكة على شكل البورجوازية الاوروبية في القرن التاسع عشر كما يصفها الادب الماركسي. ليس في العالم العربي طبقة مهيمنة واحدة تستغل طبقة بروليتارية، او يمكن ان يسمى البروليتاريا العربية، “المحرومون” في الطرح التراثي. نعرف ايضاً ان معالم هذه الفئة الاجتماعية ليست واضحة اذاً – يمكن ان ازيد هنا – اشكالية اخرى حول الماركسية نفسها: أليست الماركسية ايضاً، وكذلك فكر كارل ماركس بمحتواه النقدي، الذي لا شك في أن له محتوى ممتازاً، انما أليست وصفات كارل ماركس للتحول الى الاشتراكية، هي ايضاً، نوعاً من التعبير الامبريالي يمارس على العالم الثالث؟ انا اعتقد ان الفكر الماركسي، وقد عشنا مأساة الحزب الشيوعي الروسي الذي هيمن على كل الاحزاب الشيوعية وشلها، هو ايضاً جزء من الحضارة الاوروبية بمحتواها الامبريالي. ان الفكر الماركسي فكر غربي، نرجسي الطابع، لأن نرجسية الفكر الغربي كبيرة جداً وقد وصفتها في كتابي الاخير.

فمن هذا المنظار الذي يجسّد لحظة تاريخية، حيث بزرت الماركسية كدعوة لتطبيق الاشتراكية بعد القضاء على الرأسمالية الصناعية، ألم نتخطّ اليوم هذه المرحلة التاريخية؟ هي مرحلة كانت لها بعض الميزات في اواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وقد زالت اليوم هذه الميزات لأن النظام الرأسمالي الحالي غير النظام الرأسمالي الذي كان موجوداً ايام كارل ماركس.

اننا امام نظامين مختلفين تماماً، وعلينا طبعاً ان نعيد وضع جهد منهجي كبير حتى نحاول فهم تطورات النظام الرأسمالي. واخلص الى القول، وقد لا آتي بشيء جديد، بالدعوة الى مصالحة الفكر الليبرالي الاصيل مع الفكر الماركسي او مع اي اتجاه في الفلسفة النقدية.

بعبارة اخرى اعتقد ان كل التيارات التي تمارس النقد للاوضاع القائمة من اجل الحصول على عدالة اكبر في المجتمع، على زيادة في الاخلاق ومكافحة الفساد ومكافحة الاستبداد، كل هذه القيم الكونية الانسانية، اليوم مطلوب في نظري ان تتجمع حول كل مناهج الفكر النقدي، لان الهجمة الآتية علينا سواء من اميركا او من كل متفرعات الثقافة الاميركية تهدف الى شل العقل والغاء الثقافة، وبشكل خاص الغاء الفكر النقدي. وانا اعتقد ان الماركسية ذاتها هي في النهاية متفرعة من اصول ليبرالية، طبعاً لا اتحدث عن الليبرالية الجديدة كما تمارس بالشكل المتطرف الآن، بل أتحدث عن كبار الفلاسفة مثل لوك وهيوم الذين انتقدوا في النهاية الاوضاع الاجتماعية الاستبدادية.

نحن يمكننا ان نفرز منهجاً نقدياً، يمكننا، كمفكرين نقديين، ان نطالب بالعدالة، ان نحارب الاستبداد، ان نحارب الفساد، ان نحارب التبذير الاقتصادي، ان نحارب قمع الفئات المحرومة في المجتمع، انما لا يمكننا ان نقول نريد مجتمعاً مبنياً على نموذج مسبق، اكان هذا النموذج ديكتاتورية البروليتاريا او ديكتاتورية رجال الاعمال التي نتخبط فيها في لبنان والعديد من الدول في العالم. علينا ان نغض النظر عن الخلافات العقائدية القديمة، في حال اردنا ان نتخطى الوضع الحالي ونتمكن من محاربة النموذج المبني على ترسبات الفكر الديني الميتافيزيقي وهو الوحيد الذي يستمر حياً في الساحة الفكرية العربية وهي لا تزال بحاجة الى الميتافيزيق، بحاجة الى الغيبيات، وذلك بسبب عدم ارساء دعائم الحرية وفي شكل خاص حرية الابداع. ان المجتمع الحي هو الذي يطور اساليب جديدة في الانتاج، في التحرر، في تحقيق العدالة الاجتماعية اذا توافرت الروح النقدية وتعممت وانتشرت. فمن هذا المنظار اعتقد اننا ندين لمهدي عامل بهذا الكتاب، وبالكتب الاخرى، كما ندين للكثير من الاخوة الذين كانوا في المدرسة نفسها والذين مارسوا الفكر النقدي، لأن ما ينقصنا هو بالفعل الفكر النقدي المتجذر في الواقع وليس الفكر الغيبي الاغترابي.

(1) الشرق والغرب: الشرخ الاسطوري، دار الساقي، بيروت

كاتب ــ وزير سابق

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: